فخر الدين الرازي
105
تفسير الرازي
والأيام : * ( صرعى ) * جمع صريع . قال مقاتل : يعني موتى يريد أنهم صرعوا بموتهم ، فهم مصرعون صرع الموت . ثم قال : * ( كأنهم أعجاز نخل خاوية ) * أي كأنهم أصول نخل خالية الأجواف لا شيء فيها ، والنخل يؤنث ويذكر ، قال الله تعالى في موضع آخر : * ( كأنهم أعجاز نخل منقعر ) * ( القمر : 20 ) وقرئ : ( أعجاز نخيل ) ، ثم يحتمل أنهم شبهوا بالنخيل التي قلعت من أصلها ، وهو إخبار عن عظيم خلقهم وأجسامهم ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع ، أي أن الريح قد قطعتهم حتى صاروا قطعاً ضخاماً كأصول النخل . وأما وصف النخل بالخواء ، فيحتمل أن يكون وصفاً للقوم ، فإن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخل الخاوية الجوف ، ويحتمل أن تكون الخالية بمعنى البالية لأنها إذا بليت خلت أجوافها ، فشبهوا بعد أن أهلكوا بالنخيل البالية ثم قال : * ( فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الباقية ثلاثة أوجه أحدها : إنها البقية وثانيها : المراد من نفس باقية وثالثها : المراد بالباقية البقاء ، كالطاغية بمعنى الطغيان . المسألة الثانية : ذهب قوم إلى أن المراد أنه لم يبق من نسل أولئك القوم أحد ، واستدل بهذه الآية على قوله قال ابن جريج : كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عقاب الله من الريح ، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا ، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر ، فذاك هو قوله : * ( فهل ترى لهم من باقية ) * وقوله : * ( فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ) * ( الأحقاف : 25 ) القصة الثانية قصة فرعون قوله تعالى * ( وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ) * . أي ومن كان قبله من الأمم التي كفرت كما كفر هو ، و ( من ) لفظ عام ومعناه خاص في الكفار دون المؤمنين ، قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي ، * ( ومن قبله ) * بكسر القاف وفتح الباء ، قال سيبويه : قبل لما ولي الشيء تقول : ذهب قبل السوق ، ولى قبلك حق ، أي فيما يليك ، واتسع فيه حتى صار بمنزلة لي عليك ، فمعنى * ( من قبله ) * أي من عنده من أتباعه وجنوده والذي يؤكد هذه القراءة ما روي أن ابن مسعود وأبياً وأبا موسى قرؤا : * ( ومن تلقاءه ) * روى عن أبي وحده أنه قرأ : * ( ومن معه ) * أما قوله : * ( والمؤتفكات ) * فقد تقدم تفسيرها ، وهم الذين أهلكوا من قوم لوط ، على معنى والجماعات المؤتفكات ، وقوله : * ( بالخاطئة ) * فيه وجهان الأول : أن الخاطئة مصدر كالخطأ والثاني : أن يكون المراد بالفعلة